مفهوم البرمجة اللغوية العصبيّة وموضوعاتها
البرمجةProgramming: تعني: تركيب خطة أو إجراء معيّن، وهي هنا تعني: طريقة تكميل صورة العالم الخارجي في ذهن الإنسان، أي: برمجة دماغ الإنسان.
وكنه هذه البرمجة وقوامها: مجموعة أفكارنا وأحاسيسنا وتصرفاتنا الناتجة عن عاداتنا وخبراتنا التي تؤثر على اتصالنا بأنفسنا وبالآخرين وعليها يسير نمط حياتنا، وعلينا الاقتناع أنّه يجب تغييرها.
واللغويةLinguistic: إشارة إلى اللغة التي هي وسيلة الاتصال بالآخرين والتفاعل معهم، سواء أكانت اللغة ملفوظة كالنطق بألفاظ أو كلمات وجمل محدّدة، وغير الملفوظة أي: اللغة الصامتة التي يعبّر عنها أوضاع الجسم مثل: الجلسة والوقفة، والإيماءات والإشارات وتغيّرات قسمات الوجه وتعبيراته.
ويشار هنا: إلى إمكانية الكشف عن معتقداتنا وأساليب تفكيرنا باستخدام اللغة الملفوظة والصّامتة.
والعصبية Neuro: إشارة إلى الجهاز العصبي الذي يتحكم في وظائف الجسم وأدائه وفعالياته كالتفكير والسلوك والشعور، وهي في هذا السياق تعني: المسلك الفعلي لحواسنا الخمس التي نرى ونحسّ ونتذوّق ونشمّ بـها.
والبرمجة إنما ترمي إلى استخدام لغة العقل باستراتيجية إيجابية تمكننا من تحقيق أهدافنا في الحياة.
وعليه: جرى تعريف البرمجة اللغوية العصبيّة بعدة تعريفات، أشهرها:
تعريف ستيف أندرياس بأنها: (دراسة التفوق الإنساني.. وهي الطريقة العملية التي تؤدي إلى التغيير الشخصي)
وعرّفها هاري ألدر بقوله: (دراسة التميّز وتشكيل النموذج لكيفية بناء الأفراد لخبراتهم)
وعُرّفت من قِبل روبرت ويلتس بأنها: (علم سلوكي يعطيك النظرية والطريقة والتقنية من أجل التغيير والتأثير)
وجاء عن بـاندلر قوله: (هي توجّه عام وطريقة عملية تترك خلفها قاطرة من التقنيات)
وتفصيل ذلك: أن البرمجة اللغوية العصبيّة: (طريقة منظّمة لمعرفة تركيب النفس الإنسانية، والتعامل معها بوسائل وأساليب محدّدة، تقود إلى التأثير بشكل حاسم وسريع في عملية الإدراك والتصور والأفكار والشعور، مما يفضي إلى تأثير في السلوك والمهارات والأداء الإنساني الجسدي والفكري والنفسي بصورة عامة)
وجماع ذلك كلّه أنها: (العـلم الذي يبصّرنا بما نريـد وكيف نصـل إلى ما نريـد)
ويرمز للبرمجة اللغوية العصبيّة بـ N L P
اختصاراً لـ Neuro- Linguistic Programming
أمّـا موضـوعها: فالبرمجة اللغوية العصبيّة تمنح دارسها إطاراً منظماً لكيفية توجيه عقله بمعنى هي علم إدارة العقل بصورة مثلى لتحقيق النتائج التي نرجوها مع الوعي التام أنه بمقدور الإنسان أن لا يتعلم هذه النماذج والأنماط فقط بل أن يتخطاها بخلق النماذج الخاصة به
في ضوء ذلك يتطرق علم البرمجة اللغوية العصبيّة إلى موضوعات عدّة يأتي في طليعتها
محتوى الإدراك لدى الإنسان، وحدود المدركات متمثلة في المكان والزمان والأشياء والواقع –كما تفهمه وكذلك الغايات والأهداف المستقرة في أعماق النفس وتواصل الإنسان مع نفسه وانسجامه معها فضلاً عن تواصله وانسجامه مع الآخرين.
والحالة الذهنية؛ فيبين لنا كيف نرصدها ونتعرّف عليها، وكيف السبيل إلى تغييرها أو السيطرة عليها.
ومما يندرج تحتها: دور الحواس في تشكيل الحالة الذهنية وأنماط التفكير ودورها في عمليات التذكّر والإبداع، وهذا يمثّل الجانب العصبي من المنهاج.
والمهارات اللغوية: من حيث علاقتها بالتفكير، وكيف نستخدم حواسنا في عملية التفكير، وسبل التعرّف على طريقة تفكير الآخرين من خلال اللغة، إضافة إلى علاقة الوظائف الفسيولوجية بالتفكير، كما يعرّج بعمق على دور اللغة في تحديد أو تقييد خبرات الإنسان، وكيف يمكن تجاوز الحدود وتخطّيها وتوسيع دائرة الخبرات، كما يجلّي لنا هذا العلم كيفية استخدام اللغة في الوصول إلى العقل الباطن (الّلاشعور أو الّلاوعي) وبالتالي كيفية تغيير المعاني والمفاهيم، وهذا يمثل الجانب اللغوي من المنهاج.
ومن موضوعاته: معتقدات الإنسان وقيمة وانتماءاته: ومدى ارتباط ذلك بقرارات الإنسان وسلوكه، وكيفية تغيير المعتقدات السلبية التي تقيّد الإنسان وتحدّ من انطلاقته ونشاطه.
ومن موضوعاته: تنمية المهارات وشحن القابليات لرفع الأداء الإنساني فضلاً عن علاج الحالات الفردية كالخوف والوهم والصراع الداخلي والتحكم بالعادات.
يستشف مما تقدم أنّ البرمجة اللغوية العصبيّة تتناول في موضوعاتها: علم وفن الاتصال الداخلي والخارجي؛ فهو يعطينا النظرية والطريقة والتقنية من أجل التغيير والتأثير، فهي إذاً نموذج سلوكي يزودنا بمهارات وتقنيات تبين لنا كيفية تواصل الناس مع أنفسهم بصورة تؤدي إلى تحقيق الحالات والأوضاع النفسية المثلى وبالتالي توليد أكبر عدد ممكن من الخيارات السلوكية –سواء سلوكنا أم سلوك الآخرين
محاورهـــــــــــــــــــــا
فينطلق علم البرمجة اللغوية العصبيّة من أنه ثمّ ثلاثة مداخل رئيسة للأفعال الذهنية والجسمانية تكون أكثر توافقاً بصورة مباشرة مع جودة النتائج التي تحققها، وهذه المداخل الثلاثة هي:
نظام الإيمان عند الفرد – الإيمان بمفهومه اللغوي لا الشرعي والتركيب الذهني له والجانب الفسيولوجي.
وتفصيل البيان في ذلك أنه: بالنسبة الإيمان عند الفرد: فإن ما يؤمن به الإنسان ويعتقد إمكانية تحقيقه من عدمها، يحدّد وبدرجة كبيرة ما يمكن وما لا يمكن له أن يقوم به؛ بمعنى أنّ فعله للشيء من عدمه يتوقف على إيمانه بقدرته على فعله من عدمه، لأنه عندما لا يؤمن بقدرته على فعل أمر ما فإنه يرسل رسالة متواصلة إلى جهازه العصبي تحدّ أو تقضي على قدرته على فعل هذا الشيء بعينه، في حين إذا أرسل إلى جهازه العصبي برسائل تفيد قدرته على فعل ما، عندها سيرسل الجهاز العصبي إلى مخّه إشارات ليحقق النتيجة المرجوة ويفتح الباب أمام إمكانية تحقيق هذا الشيء .
أمّا التركيب الذهني للفرد: فالمقصود كيفية تعاقب الأفكار والتصورات أي الطريقة التي ينظم بها الناس أفكارهم، وما ينتج عن هذه الأفكار والتصورات من قول أو فعل أو سلوك؛ فالإيمان من جهة والحواس من جهة أخرى، وبينهما العقل يذهب إلى الحواس يستزيد منها علماً ومعرفة ويرجع إلى الإيمان يهذّبه من شوائب الأوهام، وينّقيه من أدران الخرافة، ويضيء له الطريق، ويفتح له الآفاق، ويهديه إلى صراط مستقيم.
فالأمر عبارة عن رمز (كود) كأرقام الهاتف التي ينبغي أن تطلبها بالترتيب الصحيح للوصول إلى مَنْ تريد التحدّث إليه، فالأمر ذاته ينطبق على جزء المخ والجهاز العصبي الذي يمكن أن يكون أكثر فاعلية في مساعدة صاحبه على الوصول إلى النتيجة المرجوة.
والأمر نفسه ينطبق على التواصل، ففي كثير من الأحيان لا يتواصل الناس مع بعضهم بعضاً بصورة حسنة نظراً لاختلاف ما يستخدمون من رموز ولاختلاف تركيباتهم الذهنية كذلك.
أمّا ما يتعلّق بالجانب الفسيولوجي: فإنّ العقل والجسد على صلة وثيقة، وارتباطات لصيقة، فالطريقة التي تستخدم فيها وظائف الأعضاء كتغيرات الوجه، وطريقة التنفس، وطبيعة الحركات والسّكنات وهيئة الجلسات، كلها تحدّد الحالة النفسية التي يكون عليها، وتحدد بدورها السلوك الذي يستطيع القيام به وجودته، كما توحي برسالة ما عن صاحبها، فهذه المداخل الثلاثة تشكل محاور أساسية في علم البرمجة اللغوية العصبيّة؛ فهو يغزل نظرياته وتطبيقاته على منوالها.
أما الفكرة الأساسية لعلم البرمجة اللغوية العصبيّة، فهي أنّ هذا العلم قد قام على مبدأ المماثلة والمحاكاة فيما بين الحاسوب والعقل البشري؛ فعند شراء جهاز حاسوب يكون –كأي جهاز جديد يحتوي على الأجزاء المعروفة إضافة إلى نظام التشغيل، وبعد استعماله لفترة من الزمن سيصبح في الجهاز برامج ومعلومات وأرقام ونصوص ورسوم وغير ذلك... تختلف عما في أي جهاز آخر.
كذلك الإنسان يولد على الفطرة (ما من مولود إلاّ ويولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه) ، فالإنسان يكسب من بيئته المحيطة؛ وأبويه في الدرجة الأولى ثم أسرته، ومحيطه، ومدرسته ومجتمعه ... يكتسب منها معتقداته وقيمه، ومعاييره وسلوكه وطريقة تفكيره... كل ذلك عن طريق حواسه وعن طريق اللغة منذ نعومة أظافره... فتذهب جميع هذه المعلومات إلى دماغه وجهازه العصبي فيكوّن صورة للعالم من خلال ذلك. ولا يكون لديه إلاّ ذلك العالم الذي تُشكَّل في ذهنه، بغض النظر عمّا يحدث في العالم الخارجي.
في ضوء ذلك بدأ المبرمج بـاندلر يبحث عن الحاسوب في الناس؛ أي عن العقل الذي يقوم بدور الحاسوب وعن البرامج التي تحرك هذا العقل... وجدير أن يشار هنا إلى أن فكرة (للعقل برامج) كانت مسبوقة وليست من إبداعات بـاندلر، إذ الكثير كان يتساءل: هل هناك برامج عقلية؟ وكل من درس التركيب التشريحي للمخ يدرك أن الإشارات العصبية ذات قوانين وسرعة معينة تعطي الفهم للمشاهدات الخارجية.
وإذا كانت مفردات لغة الحاسوب هي (1،0) فإن هناك لغات تعلو على الصفر والواحد تتعادل مع العقل البشري.
من هنا: قامت البرمجة اللغوية العصبيّة على دراسة الامتياز البشري ومن ثمّ تمثيل هذا الامتياز البشري؛ بمعنى معرفة ما الذي يفعله الأشخاص المتميزون واكتشاف خططهم وبرامجهم العقلية ثم تطبيقها للتمكن من الوصول إلى نتائج مماثلة، ذلك أننا جميعاً نمتلك التركيبة العصبية نفسها، وعليه: فإذا كان بمقدور أي إنسان في العالم أن يفعل شيئاً ما، فإنه بمقدورك أنت أيضاً أن تفعله إن أدرت جهازك العصبي بالطريقة نفسها تماماً، بمعنى وقفت على كيفية استخدامهم لعقولهم وأجسامهم وتابعتهم على ذلك.
يفهم من هذا: أن البرمجة اللغوية العصبيّة تزيح الستار عن أسرار النجاح والتفوق لدى بعض الناس، وتتيح لنا الوصول إلى (وصفة) ملائمة لذلك النجاح والتفوق، ثم إنها تتيح لنا استخدام تلك الوصفة لتحقيق ما نريد تحقيقه من أهداف ومقاصد
ونسمّي هذه العملية، عملية اكتشاف ما يقوم به الناس على وجه الدقة والتحديد لتحقيق نتيجة معينة ومتابعتهم وفقها بالمحاكاة (النمذجة) MODLING
وعليه: تكون المماثلة والمحاكاة هما الفكرة التي يقوم عليها هذا العلم؛ أي: تمثيل الامتياز البشري ومحاكاته.